هل نريد الحلول أم نريد المطالبة بها؟

تانيد ميديا: هناك ظاهرة من أكثر الظواهر السياسية غرابة في بلدنا ظاهرة استحقاقا للتأمل وهي ظاهرة التناقض بين المطالبة بالاصااح ورفض ذات الاصلاح حال تحققه.

وهذه الظاهرة تعبر بوضوح عن إشكال نفسي يتحول بموجبه السياسي من حالة التوقع إلى حالة التموقع.

فحالة التوقع حالة مرنة ويتحكم الواقع في صياغة الخطاب فيها بينما تعمل حالة التموقع على صياغة هوية جامدة للخطاب (سواء كان مواليا أو معارضا) وبهذا يتحول الموقف إلى حالة سياسية غير متأثرة بما يحدث بالواقع.

مثلا، يطالب البعض بتطبيق القانون على الجميع، لكن حين يُطبَّق على شخصية نافذة أو معروفة يتحول الحديث فجأة من سيادة القانون إلى الدكتاتورية واستهداف الخصوم. وإذا لم يحاسبوا قال بالتستر على فساد النافذين.

يطالبون بمحاربة الفساد، فإذا أحيل مسؤولون إلى القضاء قيل إنها تصفية حسابات، وإذا لم يُحالوا قيل إن التظام عاحز عن محاربة الفساد .

ويطالب آخرون بإصلاح الإدارة ومحاسبة المقصرين، فإذا تم فصل موظفين أو اتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم وُصفت الخطوة بأنها ذر للرماد في العيون، وإذا لم تُتخذ أي إجراءات عُدَّ ذلك دليلاً على التهاون وانعدام الجدية. هنا لا يعود الخلاف حول الوقائع، بل حول وجود صراع بين مرونة التوقع و صلابة التموقع، ونتيجة لذلك يصبح الفعل ونقيضه سبباً للإدانة ذاتها.

وفي مجال التنمية تتكرر الصورة نفسها. فحين تتأخر الطرق والموانئ والمنشآت الخدمية يقال إن الدولة عاجزة عن الإنجاز، وحين تُنجز المشاريع يقال إنها مجرد وسيلة لإثراء رجال الأعمال أو صناعة الدعاية السياسية. وكأن المشكلة لم تعد في غياب التنمية أو حضورها، بل في ضرورة الإبقاء على موقف الرفض أياً كانت المعطيات.

ويتجلى التناقض بصورة أوضح في التعامل مع التعددية السياسية. فإذا عُيِّن صاحب رأي معارض في منصب عام قيل إن السلطة تكافئ المشاغبين أو تشتري صمتهم، وإذا استُبعد قيل إن الدولة تضيق بالمخالفين وتمارس الإقصاء. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: الإدانة المسبقة.

هذه الظاهرة ليست جديدة. فقد لاحظ الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل أن بعض المجتمعات تصبح أكثر حساسية تجاه التغيير كلما تحسن واقعها، لأن سقف التوقعات يرتفع باستمرار. كما أشار الفيلسوف الألماني هيغل إلى أن النقد يفقد قيمته عندما يتحول إلى نفي مجرد لا يقدم معياراً يمكن الاحتكام إليه.

والتقييم ليس موقفا سياسيا بل معيار محايد : هل الإجراء قانوني؟ هل هو عادل؟ هل حقق نتائج ملموسة؟ فإذا كان الجواب نعم وجب الاعتراف بذلك ولو صدر عن خصم سياسي، وإذا كان الجواب لا وجب انتقاده ولو صدر عن حليف.

أما حين يصبح المعيار هو موقف السياسي لا طبيعة الفعل، فإن القرار لا يتم تقييمه باعتبارات الخطأ والصواب بل لاعتبارات التموقع السياسي .

وحين تصل الحياة العامة إلى هذه المرحلة تصبح المطالب مجرد شعارات، لا غاية لها غير الاحتجاج.

إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس اختلاف الآراء، بل فقدان القدرة على التقييم . فالديمقراطية تحتاج إلى معارضة قوية، لكنها تحتاج أيضاً إلى معارضة تلتزم بمسؤولية النزاهة في صناعة وتوجيه الوعي.

أ/ محمد افو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى